أحمد الخراز البغدادي

21

كتاب الصدق أو الطريق السالمة

باب « الصدق في الحلال الصافي ، إذا وجدته ، وكيف العمل به ؟ » فالصدق في الحلال - إذا وجدته - : أن تأخذ منه ما لا بدّ منه على قدر معرفتك بنفسك ، وما يقيم ميلها ، ولا تحمل عليها فوق طاقتها فتنقطع ، ولا تصير معها إلى ما تهواه من السرف ، ولكن خذ ما يقيمك بلا تقتير ولا سرف ، في الطعام ، واللباس ، والمسكن ، واحذر الفضول مخافة الحساب وطول الوقوف . فهكذا يروى : أنّ رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « يا أبا الحسن ، صف لنا الدنيا فقال : حلالها حساب ، وحرامها عذاب أو عقاب » . فإذا كان العبد ضعيفا ، ثمّ ملك الشيء الطيب ، حبسه على نفسه وعلى من يمون ، فأنفق منه بالمعروف مخافة أن يكون ، إذا أخرجه ، لم يصبر ، وجزع : فوقع في ما هو أردى منه ، فكان في حبسه إياه مزريا على نفسه من ادّخاره ، حين عدم من نفسه الثقة باللّه تعالى ، والسكون إليه دون الشيء ، فيكون كذلك حتى يقوى عزمه . قلت : فكيف ملك الأنبياء ، عليهم السلام ، الأموال والضياع ، مثل : داود ، وسليمان ، وإبراهيم ، وأيّوب ، ونظرائهم ، ويوسف ، عليه السلام ، على خزائن الأرض ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والصالحين من بعد ؟ فقال : هذه مسألة كبيرة ، وفيها كثير ؟ . اعلم أنّ الأنبياء ، عليهم السلام ، والعلماء ، والصالحين من بعدهم ، رضي اللّه عنهم : أمناء اللّه تعالى ، في أرضه على سرّه ، وعلى أمره ، ونهيه ، وعلمه ، وموضع وديعته ، والنصحاء له في خلقه وبريته ، وهم الذين عقلوا عن اللّه تعالى ، أمره ونهيه ، وفهموا لماذا خلقهم ، وما أراد منهم ، وإلى ما ندبهم ؟ فوافقوه في محبته ، ونزلوا في الأمور عند مشيئته ، ثم وقفوا عند ذلك مواقف العبيد الألباء ، القابلين عن اللّه ، والحافظين لوصيته ، وأصغوا إليه بآذان فهومهم الواعية ، وقلوبهم الطاهرة ، ولم يتخلفوا عن ندبته ، فسمعوا اللّه عزّ وجلّ يقول : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] .